المديح في شعر علي بن المقرب العيوني

صورة قصاصة من جريدة الجزيرة السعودية حول تحقيق الطبعة الأولى من شرح ديوان ابن المقرب.

يعد علي بن المقرب العيوني واحدا من أبرز شعراء القرن السابع الهجري حيث اشتهر بشعره المتميز الذي يجمع بين الفصاحة والبلاغة. ولد في البحرين في عهد الدولة العيونية وكان له دور بارز في الحياة الأدبية والسياسية في عصره. يعرف بنشاطه في مدح الملوك والأمراء حيث استخدم المديح كوسيلة للتعبير عن الولاء والانتماء.[1]

تتناول قصائد المديح في شعر علي بن المقرب العيوني التقاليد الثقافية والاجتماعية لعصره وتعكس رؤيته الفنية والفكرية. كان المديح عنده وسيلة لمدح الشخصيات السياسية والدينية مما أسهم في تعزيز مكانته كأحد أعلام الشعر العربي.[2]

مدح الآخر

يعد المدح قديم النشأة وهو فن عريق من أبرز الفنون الشعرية منذ عصر ما قبل الإسلام وهو تعداد الجميل المزايا ووصف الشمائل الكريمة وإظهار التقدير العظيم الذي يكنه الشاعر لمن توافرت فيهم هذه المزايا وقد شكل جانباً كبيراً في نتاج الشعراء منذ القدم وقد نشأ في بادئ الأمر في وصف الفضائل العربية كالسماحة والكرم والحلم والشجاعة ... الخ واستمرت هذه الفضائل ترد في شعر المديح في العصور المختلفة لأغراض خاصة من خلال اتخاذها صناعة يبيعها بعض الشعراء في أعتاب الملوك والزعماء لتحقيق أهدافهم للتكسب المادي والمعنوي وأخرى لخدمة أغراضهم السياسية ترويجاً لأفكارهم ومبادئهم.

وإن الحديث طويل في هذا المضمار فلا يكاد يوجد شاعر لم ينظم في هذا الغرض وحتى ابن المقرب من الشعراء الذين نظموا في المديح بشكل واسع فقد بلغ قصائد المديح في ديوانه 67 قصيدة أي بنسبة (60%) من مجموع قصائد الديوان وهي نسبة كبيرة قياساً بأغراضه الشعرية الأخرى وقد أصفى مديحه من لا يستوجب المدح وبعد مديحه إطراء في معظمه وقفا على أبناء عمومته وكان هذا المديح منصبا على غرض نبيل يتلخص في المطالبة بحقوقه المشروعة التي اغتصبت منه تعسفاً وعدوانا فمدحه لهم إنما هو من قبيل الاستعطاف والملاينة فهو لم يرم به إلى التكسب أو النوال شأنه شأن الكثير من شعراء عصره وأما مديحه للولاة والأمراء والخلفاء من غير أسرته فهو قليل ولذلك فإن مديحه ينقسم على قسمين.

المديح الديني

هو فن أدبي ظهر بظهور الإسلام ويعد من فنون الشعر التي أذاعها التصوف فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية وباب من الأدب الرفيع لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص للرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الطيبين الأطهار وأكثر المدائح النبوية قبل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ويراد بها التقرب إلى الله تعالى بنشر محاسن الدين والثناء على شمائل الرسول وسلالته الإطهار.[3]

وقد وظف هذا النوع من الشعر في الدفاع عن الدعوة الإسلامية والإسلام والمسلمين ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من الطبيعي أن يتضمن الشاعر المناصرة للإسلام مديحا لرسول الله وأهل بيته وأول ما عرف من مديح نبوي قيل في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الشعر المنسوب إلى أبي طالب الذي قال فيه:[4]

وأبيض ينتشقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وكذلك قول جده عبد المطلب إبان ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق

فنحن في الضياء وفي ... النور وسبل الرشاد تخترق

وأصبح المديح النبوي في نهاية العصر العباسي غرضاً مستقلاً يحتل مساحة واسعة من الأدب العربي وتوجهت اليه قرائح الشعر طلبا للشفاعة والخلاص من الواقع المؤلم الذي وصل اليه المسلمون. من خلال الميل بالسنة النبوية وصعوبة الظروف التي أحاطت بالأمة الإسلامية وانحلال سلطة الخلافة وقسوة الحياة على الناس حيث جعلت أنظار الناس تتوجه إلى الرسول طلباً للعون والشفاعة والتصوف الإسلامي حبا في الله تعالى وأنبيائه وأوليائه الصالحين.[5]

وأما المديح الديني عند المقرب فلم تكن قصائداً مستقلة في ديوانه وإنما كانت عبارة عن أبيات متفرقة موزعة بين أبيات القصائد لإن براعة ابن المقرب حقاً تظهر في حسن تخلصه وانتقاله من غرض إلى آخر بطريقة يبقى الكلام على سلاسته وانسيابه فلا يحسن القارئ بأي انقطاع أو طفرة قد تغير من مجرى الكلام أو تحول أثره في النفس وقد يتبادر إلى ذهن القارئ لماذا كانت أبياته في المديح الديني مبثوثة بين أبيات قصائد المدح للخلفاء والأمراء والولاة بشكل خاص؟ كانت مدائحه الدينية للتوجيه والإرشاد والدعوة للرجوع إلى كتاب الله تعالى والتمسك بالرسول وعترته الأطهار. ومن مدائحه الدينية التي مدح فيها الرسول وأهل بيته قوله:

ففي شاطئ الزوراء من آل هاشم ... إمام هدى يُؤوى إِلَيْهِ فَيَعْصِمُ

تطوف الملوكَ الصَّيْدُ حَوْلَ قِبَابِهِ ... كما طاف بالرُّكْنِ اليَمَانِي مُحْرِمُ

ترجي به دنيا ودينا لأنــــــــــه ... إلى الله في الدُّنْيا وفي الدِّينِ سُلَّمُ

وهل مِثْلُهُ يَوْمَ المَعَادِ وَسِيلَةٌ ... إلى الله إلا رَهْطُهُ المُتَقَدِّمُ

أبُوتُهُ إِمَّا نَبِي مُعَظُم ... إلى الله يَدْعُو أَوْ إِمَام مكرم

هُمُ القَوْمُ إِنْ مَالُوا أَمَالُوا وَإِنْ دُعُوا ... أنالُوا وَإِنْ خَفَّتْ بَنُو الحَرْبِ أَقْدَمُوا

وإن وعدوا أوْفُوا وإن أوعُدُوا عَفَوا ... وإِن سُئِلُوا النَّعَمَاءَ جَادُوا وَأَنْعُمُـوا

وإن عاهَدُوا عَهْداً أصروا وحافظوا ... وإن عقدوا عقداً أمروا وأَحْكُمُوا

وإن حارَبُوا قَوْماً أقاموا وأقــــعـــــــدوا ... وَإِنْ خُوطِبُوا يَوْماً أَجَرُوا وَأَفْحَمُوا

هم نزلوا أَجْيَادَ مَكة فابتنوا ... بِبِطْحَائِهَا في حَيْثُ شاؤوا وخَيَّمُوا

وأضحَوْا وَبَيْتُ الله فيهم وسَلَّمَتْ ... خزاعة كل الأمر فيهم وجُرْهُمْ

لقد كتب الشاعر هذه الأبيات المدحية أثناء نزوحه إلى الزوراء (بغداد) وكان قاصداً مرقد أحد الهاشميين وهو لم يفصح علناً عن اسمه ولكنه ذكر سلالته الشريفة أنه من أحفاد المصطفى ومن أولاد المرتضى ذاكراً الرجاء والمنزلة والقرب عندهم طلبا للدنيا والآخرة ثم ينتقل الشاعر إلى وصف الصفات الخلقية لهم من الكرم والشجاعة والبطولة والوفاء والسخاء والجود والفصاحة والعلم إلى آخر الصفات الحميدة لهذه السلالة المباركة وتعد بحق هذه الأبيات لوحة كاملة وأبياتها تتسم بحركة مستمرة ترافقها موسيقى شجية.

وتلحظ توظيف الشاعر للأداة (إن) الشرطية الجازمة والتي يجزم بها الشاعر هذه الصفات في الممدوحين من السلالة الجليلة النسب في أكثر من موضع تأكيداً منه وإقراراً لهم بالمنزلة الرفيعة والمكانة المشهودة عند الله تعالى بجوار بيته بمكة وتشرف قريش والعرب بهم أجمع.

إن ذكر الشاعر لنسب النبي وآله بيته ورد بشكل ملفت للنظر عفوي رائع من خلال إشارته لعظمة الممدوح وجلاله فهو يجسد بطريقة أو بأخرى عاطفته الجياشة المستمدة من حبه لآل الرسول في أبيات متماسكة وجمالية في التعبير وعاطفة متفردة تبين قدرة الممدوح وعلو مكانته وإن المديح النبوي تسابق إليه الشعراء العباسيون في عصره وكان ابن المقرب من الشعراء السباقين إلى ذكر مناقب آل البيت فقد قال فيهم:

بِكُمْ يُؤْمِنْ الله البِلَادَ وَيُصْلِحُ الــــــ ... ـــعِبادَ وَيَعْفُو عَنْ ثِقَالِ الجَرَائِمِ

وَأَنْتُمْ مَصَابِيحُ الظلام وقادة الـــــــ ... أنام وَرَبِّ للثنَــــــــــا المُتَفَـــــــــــاقم

وَفِيكُمْ أَقَامَ الله أعلام دينه ... وَلَوْلاكُمُ كُنَّا مَعاً كالبَهَائِمِ

تَخَيَّرَكُمْ رَبُّ العُلا واصْطَفَاكُمُ ... وَطَهَّرَكُمْ من كُلِّ ذَمّ وَذَائِم

وأتاكُمُ فَصْلَ الخِطابِ وَمُحْكَمَ الــــ ... ـــكِتَابِ ومُلكــــــاً زاهياً غَيْر زائـــم

فأوْضَحْتُمُ سُبْلَ الهُدَى وَكَشَفْتُمُ ... عن الحَقِّ أَغْشَاءَ العَمَى المُتَراكم

وقَوَّمْتُمُ بالسَّيْفِ مَنْ مال خده اضـــ ... ـــعِرَاراً وَلَمْ يَسْمَحْ بأنْفٍ لِخَاطِمِ

فَكَمْ هامَةٍ لِلْكُفْرِ راحَتْ وَهَامُها ... نِعَالاً لأيدي خَيْلِكُمْ في الملاحم

فَقُلْ لِرُعَاةِ الشَّرْقِ والغَرْبِ أقصرُوا ... وَكُفُّوا وإِلا تَقْرَعُوا ســن نـــــــادم

فَمَا الحَقُّ إلا دعوة ناصرية ... هيَ الحَقُّ لا دَعْوى غوي وآثم

بِهَا اصْبَحَ الإِسْلامُ في كُلِّ مَوْطِن ... يَنُوءُ بِرُكْنِ مِنْهُ عَقْدُ الدَّعَائِمِ

يتوجه الشاعر في هذه الأبيات الشعرية إلى ذكر مناقب ومنزلة رسول الله عند الله تعالى ومناقب أهل بيته ودورهم الرشيد في إصلاح البشرية وتوجيههم نحو الحق والإسلام وكتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ودليل حبه لآل البيت حديثه بصيغة الجمع بكم وأنتم وفيكم وتخيركم وأتاكم وقومتم كلها صيغ جمع يقصد بها العترة الطاهرة الزكية المطهرة من الشرك والآثام وبهم أصلح الله تعالى الأمم وسيوفهم وتضحياتهم أخرجوهم من غمام الشرك والعبودية وبهم نشر الإسلام في الشرق والغرب وتعالت الأصوات للواحد القهار بدعوة هاشمية فاطمية تعالت على أصوات الكفر والضلالة.

ففي هذا النص اقتصر الشاعر أمام الآخر في هذا المديح الديني أمرين هما:

  • حبه وولاءه لآل رسول الله ومدائحه خير دليل.
  • ذكر منزلة الرسول وآله عند الله عز وجل فيهم أكرم الإسلام والمسلمين وأنقذهم من جهة الشرك وعبادة الأصنام والغوص في الملذات.

ومن قصائد المديح الديني قصيدة قالها في حضرة أحد العلويين ببغداد وهو تاج الدين إسماعيل بن النقيب ... بن زيد العلوي الحسني وكان تربطه به صداقة ومودة كتب في مدحه قصيدتان يظهر فيهما حبه وقريه وراحته بالقرب منه حيث قال في أبيات منه:

قَوْمٌ لَهُمْ ذِرَوةُ العَلْيَاءِ تَعْرِفُهُ * واني مَعَدٍ إِذَا عُدَّتْ وَقَاصِيهَا

عافوا الظواهر مِنْ أُمَّ القُرَى وَبَنَوْا * أبياتُهُمْ عِزَّةً في سر واديها

وأَصْبَحَتْ كَعْبَةُ اللهِ الحَرَامُ وَقَدْ * أَضْحَتْ ومِنْهُمْ بِرَغْمِ الخَصْمِ واليها

سادُوا قُرِيشاً علاً في جاهليتها * وَمَنْ يُسَامِي قُرَيْشاً أو يُبَارِيها

وكُلَّ عَلياء في الإسلامِ فَهيَ بَهِمْ * تُبْنَى وقُطْبُ الرَّحَى مِنْهُمْ وهاديها

يامَنْ يُسَامِي إلى مَجْدٍ بَنِي حَسَنٍ * عَدِمْتَ رُشْدَكَ هَلْ خَلْقٌ يُسَامِيهَا

قَبِيلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ عُنْصُرُها * وَمِنْ عَلِيَّ فَتَى الدنيا ومُفْتِيها

إن هذه الأبيات تعد انعكاساً لدواخل الشاعر المكنونة في حب العترة الطاهرة والنور المتدفق في إحساساته معبراً بصدق عن إيمانه القوي وحبه الشديد للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين علو قريشاً في جاهليتها وعلى اسم الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان فلهم الفضل والفخر على البشرية جمعاء رغم عداء قريش لهم مدة الرسالة السماوية مما جاء في كتاب الله تعالى أبان ذلك قوله عز وجل: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

وإن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة والإيمان الصحيح والعلم النافع في الدنيا والآخرة فقال تعالى في ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَوْرِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون) فجعل الله تعالى الإسلام سيد الأديان ورسوله سيداً وخاتماً للرسل والأنبياء وجعل عترة رسوله أعمدة للدين والرسالة.

ثم عرج الشاعر في نهاية الأبيات على الممدوح كونه فرداً من عترة رسول الله من سلالة علي المرتضى فتى فتيان بني هاشم ومغوارها فيهم نصر الله الإسلام والمسلمين وبهم أباد الكفار والمشركين.

إن التناسق والترابط والتنوع في قصيدة المدح أضاف لشعر الشاعر جمالية وحسن إصغاء من القارئ أو السامع فابن المقرب قد ربط الممدوح بسلالة الهاشميين فأضاف له قدراً على قدره فقال في قصيدة مدح الخليفة العباسي المستنصر بالله وكنيته أبو جعفر:

قَوْمٌ هُمُ الرَّأْسُ من فِهْرٍ وَغَيْرُهُمُ * إِذَا يُقَاسُ إِلى عَلْيَاهُمُ ذَنَبُ

النَّجْمُ يَنْجُمُ ظُهْراً إِنْ هُمُ غَضِبُوا * والأرْضُ تارَضُ زَهْرَاً إِنْ هُمُ رَكِبُوا

بفضلِهِمْ نَطَقَ القرآن ممتدحاً * لَهُمْ وَجَاءَتْ بِهِ مِنْ قَبْلِهِ الكُتُبُ

أبُوهُمُ الخَيْرُ عَبْدُ اللهُ خَيْرُ أَبِ * وَجَدُّهُمْ سَيِّدُ البَطْحَاءِ إِنْ نُسِبُوا

لوْلاكُمُ يا بَنِي العَبَّاسِ لَانْصَدَعَتْ * عصا الخِلافَةِ صَدْعاً لَيْسَ يَنْشِعِبُ

عَنْهَا طَرَدْتُمْ وَلمَّا يَثْنِكُمْ رَهَبٌ * بَنِي الطَّرِيدِ وَلَا اسْتُوْهَاكُمُ رُعُـبُ

وَلَا وَنَيْتُمْ إلى أَنْ قامَ ماؤُهُمُ * وَخَانَ دَلْوَهُمُ مِنْ عَقْدِهَا الكَرَبُ

وَعَادَ مِيْرَاتُكُمْ مِنْ كَ غاصِبِهِ * فيكُمْ وأَهْلُ الدَّعَاوَى عَنْكُمُ غِيَبُ

يا خَيْرَ من عَلِقَتْ أَيْدِي الرَّجاءِ بِهِ * وَمَنْ سَوَاءٌ لَدَيْهِ التَّبْرُ والتَّرَبُ

كان الشاعر من أشد المعجبين لهذا الخليفة العباسي بدأ قصيدته بمقدمة غزلية كعادته ثم انتقل إلى المديح لشخصه وبعدها انتقل إلى المديح الديني لربط الممدوح الآخر بسلالة بني هاشم كونه من العباسيين الذين يرجعون في نسبهم إلى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم يمدحهم الشاعر بأنهم هم أصل فهر (قریش) والباقون من قريش هم ذنب هذا الرأس ويتحدث الشاعر عن كرامات العترة الطاهرة فيهم نزل القرآن الكريم وبهم اكتمل الدين عند الناس فهم خير الناس أبا (عبد الله) وجداً (عبد المطلب) سيد سادات قريش نسبا.[6]

ثم ينتقل الشاعر إلى الممدوح ليوضح أحقيتهم بالخلافة على سائر المسلمين بعد أن غوصب هذا الحق ممن لاحق لهم فيه حيث أن هذا التنقل للشاعر بين الأغراض الشعرية في القصيدة الواحدة مع عدم الإطالة والاختصار في الكلام أضاف للشعر جمالية وحسنا وقد قال أبو العباس المبرد في ذلك: "من الشعراء من يحمل المدح فيكون ذلك وجها حسنا لبلوغه الإرادة مع خلوه من الإطالة وبعده من الإكثار ودخوله في الاختصار".

وعلى الرغم من قلة الشعر الديني في ديوان ابن المقرب ومع هذه القلة فقد أضافت جمالية وروحانية وصوراً جميلة من الحب والولاء لشخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والعترة الطاهرة.

المديح الاجتماعي

إن ابن المقرب شخصية تاريخية وأدبية فريدة في تاريخ الأدب العربي ولا يقل منزلة من منازل الشعراء الكبار في الأدب العربي قديماً ولاسيما أن شعره قد جعل سجلاً تاريخياً لأمجاده وأمجاد قومه. إذ يعد تاريخاً سجل فيه كل صغيرة وكبيرة للدولة العيونية وهم قومه الأقربون الذين ترتعوا على حكم البحرين فترة من الزمن.[7] ويعد هذا التقاء الشاعر مع أبي فراس الحمداني في منهجه الشعري وأن اشعاره في الديوان ومدائحه لعدد كبير من الشخصيات السياسية المعروفة من الملوك والخلفاء والأمراء والولاة وعامة الناس سواء في مسقط رأسه بالبحرين أو في تنقلاته في العراق بين الموصل وبغداد والبصرة ولصفات الممدوح عند ابن المقرب ثروة شعرية بما يملكه ممدوحه من صفات الكرم والشجاعة والبسالة والاخلاق الرفيعة وسماحة النفس التي كونت له معجما شعريا ثريا حوت كل صفات الحسن والكمال وهدفه في ذلك هو ليكسب أراءه قوة حجاجية يكون معها قادراً على اقناع المتلقي بما يتبنى من أفكار وما يطرح من أراء.[8]

ومن هذه المدائح التقاؤه ملك الموصل بدر الدين لؤلؤ ومدحه بقصيدة لامية قال فيها:[9]

حُطُّوا الرِّحَالَ فَقَدْ أَوْدَتْ بِهَا الرِّحَلُ * ما كُلِّفَتْ سَيْرَهَا خَيْلٌ وَلَا إِبِلُ

بَلَغْتُمُ الغايةَ القُرْوَى فَحَسْبُكُمُ * هذا الذي بعلاهُ يُضْرَبُ المَثَلُ

هذا هُوَ المَلْكُ بَدْرُ الدِّين خَيْرُ فتى * بهِ تَعَلَّق للرّاجي الغني أمل

هذا الذي لو يُباري فيض راحته * فَيْضُ البِحَارِ أَضَى به بلل

هذا الذي لو لِلَيْثِ الغَابِ نَجْدَتُهُ * ما حل إلا بحيث الشيح والنفل

هذا الذي بالندى والبأس يَعْرِفُهُ * وبالتَّقَى كُلُّ مَنْ يَحْفَى وينْتَعِلُ

هذا الهمام الذي أقصى مطالبه * ما لا يُحَدُّ وأذنى هَمِّهِ زُحَلُ

***

الخَيْلُ تَعرِفُ يوم الروعِ صَوْلَتَهُ * بِحَيْثُ في مُلْتَقاهَا يَبْطُلُ البَطَلُ

كم فارس في ظلامِ النَّقْعِ غادَرَه * بِضَرْبَةٍ لَمْ يَشِنْ أُخْدُودَها فَشَلُ

تَخَالُهُ أَحْوَلاً ممّا بَهَامَتِهِ * وقبل لا حَوَلٌ فيه ولا قبل

هذه القصيدة عدت من عيون الشعر العربي وهي بحق تستحق هذه التسمية فأبياتها بلغت 68 بيتاً لها وقع وأثر عميق في نفس الممدوح وإن ياقوت الحموي قد سمعها من الشاعر نفسه عند التقاءه معه في الموصل فأشار إليها في معجمه ونلحظ في هذه الأبيات وفي القصيدة كلها مبالغة في ارتفاع مكانة الآخر قاسم الإشارة (هذا) وتكراره على طول الأبيات مرة مع الضمير (هو) ومع اسم الموصول (الذي) وكلاهما يعود على واحد وهو الممدوح فقد جعل منه بطلا يلجأ اليه كل ضعيف وكريما يجود بنفسه راحة لغيره.

وبعد ذلك يصف الشاعر الممدوح بعلو الهمة وأنه نتيجة هذا العلو يحاول الوصول إلى أمر دونه كواكب السماء العالية وأنه لقوته وعزته في ساحات الوغى لا يصد أمامه الأبطال فهو فارس فيه علامات الشجاعة والبطولة والإقدام. وقد تفنن الشعراء في المديح بأن يصفو أحسن خلقة الإنسان ويعددوا أنواع الفضائل الأربع وهي: العقل والشجاعة والعدل والعفة حتى قيل إن كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع خصال مصيباً والمادح بغيرها مخطئا.

لقد علم الشاعر في اشعاره المدحية إلى ذكر هذه الفضائل بل كان يزيد عليها وهذا ما حصل في قصيدة مدح ابن المقرب للملك الأشرف موسى قال في أبياتها:[10]

أنحْ فَهَذِي قَبَابُ العز والكرم * وَقِلَ فُكُلُّ العُلا في هذه الخيم

واعْفِ النَّجَائِبَ مِنْ نَصْ وَمِنْ عَلَقٍ * فَقَدْ بَلَغْتَ هُمَامَ العُرْبِ والعَجَم

فَمَا وَرَاءَ الَّذِي هذي القبابُ لَهُ * غنى لراج ولا عز المُهْتَضَــــم

واحْمَد سِوَاك فهذا خَيْرُ منتجع * واخْطُطُ عَصَاكَ فَهَذَا خَيْرُ مُعْتَصَمٍ

هذا الذي كُنْتَ تَدعو اللهَ مُبْتَهِلاً * في أَنْ تَرَاهُ فَهَا أَبْصِرْتُ مِن أُمَمِ

هذا هو البَحْر إلَّا أَنَّ وَاردَهُ * يَعُبُّ مِنْ مَنْهلِ عَذْبِ الحَيَاشَيمِ

هذا هو اللَّيْثُ إِلَّا أَنَّ هِمَّتَهُ * مُذْ كَانَ صَيْدُ المُلُوكِ الصيد لا البُهم

هذا هو السَّالِبُ الجَبَّارَ مُهْجَتَهُ * في حَيْثُ يَكْثُرُ خَيْطُ الخَيْلِ في اللمَمِ

هذا الذي لو زُهَيْرُ رَاءَ أَيْسَرَ ما * يُعْطِي لَعَدَّى إليهِ القَوْلَ عَنْ هَرِمِ

إن الشاعر في مطلع هذه القصيدة والقصيدة التي قبلها قد بدأ بالغرض الرئيس للقصيدة وهو المدح دون مقدمة طللية خارج عرض المدح للآخر وهذا هو التجديد والتنوع في قصائد ابن المقرب وهذه القصيدة بلغت 65 بيتاً في مدح الملك الأشرف فهو يمنحه لكرمه وقوته وعثرته واتساع ملكه الذي فاق كل الأملاك التي أذعنت له العرب والعجم وإن كان هذا يدل على شيء فهذا دليل على أن الآخر سليل عز طيب النفس قوي الأصل من أصول عريقة وأباء كرام ومن أجواد العرب الذين كان لهم النصر والغلبة وعلى هذا جعل الشاعر الآخر له حق التكبر والزهو بنفسه وبسلالته الكريمة.

والظاهر من الأبيات الشعرية أن الشاعر كان متلهفاً لرؤية الآخر لمبالغته في التشبيه في أنه كالبحر الزاخر عطاياه لمن بورده وشدة الكرم وحسن الخلق وشجاعة لا توصف وأن جمال التشبيه يكمن في الأبيات الثلاثة الأخيرة حيث إنه يختمها بمبالغة شديدة منه إذ جعل ممدوحه في قمة الممدوحين بقوله: (هو الليث، هو السالب الجبار) لتأكيد صفات القوة والبأس والشجاعة فيه حتى لو رأه الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى لتعدى في مدحه كل ممدوحيه ومنهم هرم بن سنان.

إن هذا النوع من المبالغة في وصف الآخر دليل على حب الشاعر للآخر واعتزازه بصداقته وهذا النوع من المديح لم يقتصر على الملوك فقط وإنما الخلفاء أيضاً كان لهم نصيب من قصائد ابن المقرب فقد قال في الخليفة الناصر لدين الله الذي مدحه في ثلاث قصائد طويلة إذ قال:

يقولون لي: هلا امتدحْتَ مَعَاشِراً * لهُمْ أَوجُه غر وأَيْد موانح

فَقُلْتُ وقَدْ فَاضَتْ مِنَ الغَبْنِ عَبْرَتي * ذَرُونِي فَلِي طَرْفٌ عَنِ الناس طامح

فلولا أمير المؤمِنينَ وذِكْرُهُ * لما قَطَعَتْ بِي البيد هوج مشائح

ولا خُضْتُ أمواج البحار كأنها * جبال ترامى بي جَنُوبٌ وبارح

هو البَحْرُ والنَّاسُ الذِينَ تَرَوْنَهُمْ * سوَاقٍ طَمَتْ مِنْ فَيْضِهِ وَهُوَ طافح

تجودُ ذَوو الأفضالِ مِنْ فَضْلِ جُودِهِ * فَيَعْلَهُ لَهُمْ شَأن ويكثر مادح

أأترُكُ مَدَّ النّيلِ فاضَ وأَبْتَغِي * فَرَاشاً تُعَفِّي ماء هُنَّ البوارح

وإِنَّ امْراً شَطُ الفُرات تجاهه * ويَطْلُبُ أمواه الركايا لَقَامِحُ

وإِنِّي إِنْ سَدَّيْتُ مَدْحاً لِغَيْرِهِ * جديرٌ بأَنْ تَنْسَد عني المناجح

هو النَّاصِرُ بن المستضيء وقِدْحُهُ الـ * ـــمُعَلَّى وَمَا في عُودِهِ الصَّلْبِ قَادِحُ

هذه الأبيات من قصيدة المدح لابن المقرب والتي تبلغ 69 بيتاً شعرياً في الخليفة العباسي الناصر الدين الله لصلته القوية به يبدأها بمقدمة غزلية ثم بالشكوى عن ذاته وبعدها انحدر إلى الغرض الأساسي وهو المديح للآخر ويبدأ الشاعر بافتتاحية حوارية بقوله: (يقولون لي) فيجيب وفي كلامه شيء من الاتحاد النفسي مع الآخر وحالة من الاندماج والتواصل بينهما فقد أتخذ من الخليفة مكاناً مرتفعا يأوي إليه فلأجله ركب البحار والصعاب وحرارة البراري للقاء لأنه يرى فيه بحر العطاء والقوة والناس سواقي تنبع منه وهذا القول فيه مبالغة شديدة فقد جعله الأولى بالمدح دون غيره لأن الجميع قد أغمرهم بعطاياه فكرمهم نابع من فيض كرمه عليهم.

ويستفهم الشاعر بالهمزة في (أترك) نهر النيل وفيضه وعطاياه واتوجه إلى النزر والقليل وحتى الفرات يطلب الكرم والعطاء منه ويختم أبياته بذكر اسم الممدوح مؤكداً بأنه لا غبار ولا شائبة عليه. إن هذا القول فيه مبالغة شديدة وقد قال ابن سنان الخفاجي في ذلك إنه: "تجوز المبالغة لأن الشعر فن والفن يلتمس فيه الجمال لا الحقيقة ... وأما المبالغة في المعنى فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه فمنهم من يختاره ويقول: أحسن الشعر اكتبه" وقال في موضع آخر في مدح الخليفة يجب أن يكون بتأييد الدين وتقوية أمره ومحبة الناس وطاعتهم والتقى والورع والرحمة والرأفة واقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى.

إن ابن المقرب قد ذكر في مدائحه الفضائل والصفات المتوفرة في الممنوح ومنها ما ذكره في مدح الخليفة المستنصر بالله العباسي في قصيدة من 68 بيتا قال فيها:

قَرَّتُ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ أَقْصَى التَّخُومِ وَقَدْ * گادَتْ لِفَقْدِ إِمَام البِر تَنْقَلِبُ

وأصْبَحَتْ أَيْكَةُ الإِسْلَامِ نَاضِرَة * يَدْعُو المُسِيمَ إِلَيْهَا الماء والعشب

واهْتَزَّتِ الأَرْضُ مِنْ رِي فَلَا طَلَق * للماء يذكر في حي ولا قَرَبُ

وأشرَقَتْ بَهْجَةً دار السلام به * حَتَّى تَمَنَّتْ سَنَاهَا السَّبْعَةُ الشُّهُبُ

وأظهَرَ العُجْبَ شَطَّاهَا ودجلَتُها * وما أحاطت به الأَسْوَاقُ والرُّحُبُ

وفتحت للقرى أبواب ذِي كَرَم * جِفَانُهُ خُلُجُ الصّينيّ لا العُلَبُ

وألف ألف تزيدُ الضَّعْفَ جادَ بِهَا * في كل عام وقَلَّتْ عِنْدَمَا يَهَبُ

ومثلُ ذَلِكَ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً * أعْطَى وقال : قُصَارى كُلِّ ذِي العَطَبُ

فَما يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ وَلَيْسَ بِهِ * لَهُ مَوَاهِبُ تُسْتَزْرَى لها السُّحُب

فاليَوْمَ ما فَوْقَ ظَهْرِ الْأَرْضِ قاطبةً * إلا أمرُؤٌ  َولَهُ مِنْ مالِهِ نَشَبُ

هذه الأبيات من قصيدة مدح للخليفة المستنصر بالله بدأها الشاعر بمقدمة غزلية وبعدها اتجه إلى عرضه الأساس وهو المدح فقد تمادى الشاعر في مدح الآخر بأن الأرض كانت جرداء مقفرة لا ماء ولا شجر والكل ينظر هذا الخليفة الذي به أشرقت بغداد وأضاءت معالمها بظهوره وأضاف الشاعر في مديحه للآخر أن من صفاته الكرم والعطاء لديه قارنه بدجلة الخير الذي يحيطه الأسواق والخيرات ونحن نعلم أن ذكر الأنهار عند الشعراء العرب في أشعارهم يعني مجيء الخير والبركة في ذلك المكان.

إن المبالغة في الأنا تجاه الآخر خارجة عن الحيز الطبيعي في الأبيات الخمسة الأخيرة سعياً منه نحو التميز في الوصول إلى أعلى مراتب الوصف والتشبيه فقوله: "وألف ألف تزيد الضعف أبواب ذي كرم" هو أقصى مراتب الكرم ويؤكدها في البيت الذي يليه: "ومثل ذلك أضعافاً مضاعفة" ويوعز ذلك إلى كثرة ماله الذي لا يضاهيه أحد على حد قول الشاعر فحب الشاعر وأعجابه بالآخر جعله يظهر مواطن الجمال فيه ويركز فيها لأن الغرض من المدح رسم صورة مثلى للإنسان الأمثل بغية التأسي به.

هذا ما يخص مدح الخلفاء في ديوان ابن المقرب وبعدها تنتقل إلى مدح الأمراء الذي شغل باعاً واسعاً في قصائده فقد بلغ نحو 43 قصيدة مدح في 23 أمير عربي من العراق والبحرين وأغلبهم في أولاد عمومته ومن أولى هذه القصائد قصيدة مدح في الأمير الفضل بن محمد بن أحمد العيوني الذي كتب في مدحه خمس قصائد طويلة ومن هذه القصائد قوله:

قسماً بأعراف الجِيادِ الضَّمَّر * وبِمَا أَثَرْنَ مِنَ العَجَاج الأكدر

وَبِمَا حَمَلْنَ إلى الوَغَى من ماجد * طلق المُحَيَّاذِي جبين أَزْهَرِ

وبِكَلِ أَبْيَضَ صــــــــارم ومُفَاضــــــة * كالنهي سابعة وعـــــــال أَسْـــــــمر

لو قيل مَن في الأَرْضِ أغلى همَّةٍ * وأَعَمُّ نَافِلة وأشرف معشر

ما قِيلَ إِلَّا ذاكَ فَضْل ذو العلا * حامي حمى الآباء سامي المَفْخَرِ

الماجد الأحسابِ والمَلِكُ الذي * يَغْشَى الوَغَى فَرْداً بِوَجْهِ مُسْفِرِ

الواهب الجُرْدَ العِنَاقَ يَقُودُها * صفْرُ المَجاسِدِ مِنْ النَّجِيعِ الأَحْمَرِ

ومُقَطَّرُ البَطَلِ الهِزَيرِ بِطَعْنَةٍ * تَقْضِي قَضيّتَه ولما يستر

وَمُفْلِقُ الهَامَاتِ في ضَنْكِ الوَغَى * بمذلَّقِ الحَدَّيْنِ صَافِي الجَوْهَرِ

هذه الأبيات مقدمة لقصيدة مدحية في الأمير الفضل بن محمد والتي بلغت أبياتها 41 بيتا بدأها بالمدح من أولها وهو يقسم بأحد أجزاء الخيل وهو شعر عنق الفرس لجماله وتوعله في قلب العدو وتشتت صفوفه حاملاً الأمير الفضل بن محمد وهو يشق صفوفهم فيثير الغبار في كل مكان وقد تكون هذه الصورة استنبطها من القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)).

وقد مدح الشاعر ممدوحه ابن عمه بصفات القائد البطل في ساحات الوغى الذي يتحلى بالشجاعة والحلم والعزم والحزم وعلو الهمة في المعارك الذي لا يهاب الموت مرعب الاعداء عادل حازم كحد السيف يريد الشاعر بهذا المديح والتشبيه البليغ غاية شريفة مثلى كما قلنا في سبيل استرجاع املاكه من نخيل وزروع وفي سبيل أن يكون واحداً من ذويه وخاصة أنه لا يقل عنهم محتداً وحسباً وعقلاً كما أنه لم ينس في أماديحه عامة عزة النفس وقوة الشكيمة وشعوره بجليل مكانته بين قومه وعشيرته ومحبيه.

ومن مدائحه الأخرى للأمراء أيضاً مديحه شمس الدين باتكين الرومي أمير البصرة والذي كان بينهما علاقة صداقة فقد كتب فيه 9 قصائد ومن هذه القصائد قصيدة قال فيها:

يا أيُّها البَصْرَة تيهي به * فإنَّهُ المَلْكُ الأغَرُّ الهُمَامُ

وإِنَّهُ أَوْحَدُ هذا الورى * حلماً وعلماً وندى واعتزام

بَثَّ بِهَا الأمْنَ وَرَدَّ المُنى * غَضَاً وكانَا آذَنَا بالصرام

وَلَمْ يُصَعِرْ خَدَّه مُعْرِضاً * كبراً وَلَمْ يفضض لجَوْرٍ ختام

يابا شجاع ياثمال الورى * يا طاهراً مِنْ كُلِّ دَمَ وَذَامْ

يا شبه ذِي القَرْنَيْنِ من رَهْطِهِ الـ * ـغر بن العيص المُلوكِ الكرام

كأنما البَصْرَةُ مُذْ جُزْتَهَا * أشلاء غِمْدٍ سُلَّ مِنْهُ الحُسَامُ

بدِّلَتِ الوَحْشِةَ مِنْ أَنْسِهَا * وأُلْبِسَتْ بَعْدَ الضّياء الظلام

وكلُّ أَرْضِ فَقَدَتْ شِمَسَا * غَشَى الدُّجَى ساحاتها والخيام

والآنَ إِذْ عُدَتَ إِلَيْهَا زَهَت * وابتسمت للبشر أي ابتسام

فلا خَلَتْ مِنْكَ الرعايا ولا * زِلْتَ لِمُرفَضَّ المَعالِي نِظَام

هذا النص من قصيدة المدح في شمس الدين باتكين والتي بلغت 52 بيتاً بعد سفره إلى واسط ورجوعه إلى البصرة وهو ينادي البصرة (يا أيها البصرة) وكأن به يحسدها على وجود الممدوح فيها فمدحه بالحلم والعلم والندى والعزم والتواضع والطهارة والحزم في إدارة البصرة شبها إياه بذي القرنين الملك الصالح الذي ذكر في القرآن الكريم ويصور حال البصرة بعد رحيله وحين عودته إليها برجوع الروح والضياء والأمل والابتسامة إليها لإنها فقدت شمسها فأظلمت هذا التشبيه والمثالية في الحكم للممدوح ليس جديداً على الشعراء العباسيين في مدح الخلفاء والولاة يضيفون إلى هذه المثالية مثالية الحكم وما ينبغي أن يقوم عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الإله والعدالة التي لا تصلح حياة الأمة بدونها وبذلك كانوا صوتاً قويا .. يهتف في آذان الحكام بما ينبغي أن يكونوا عليه في سلوكهم وسياستهم.

وقد يكون الحاكم أحياناً سيء السلوك ولكن الشعراء يمدحونه بنفس هذه المثالية الكريمة لأنهم لا يمدحونه من حيث هو وإنما يمدحونه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينه الشعارات التي تطلبها الأمة في خليفتها وراعيها لعله يتوب إلى طريق الرشاد.

وبعد الانتهاء من مدائح الأمراء هناك شخصيات معروفة منحهم بشعره في قصائد مدحية لأنه كان قريباً منهم وبينهم مودة وصداقة ومن تلك المدائح قصيدة ميمية قالها في الشيخ محب الدين عبد القادر بن داود بن محمد الواسطي الذي جاء في مطلعها:

الْقَتْ إِلَيْكَ مَقَادَهَا الأَيامُ * وأَمَدَّكَ الإجلال والإعظام

وَمَشَى إِلَيْكَ الدَّهْرُ مِشْيَةً خاضع * وَقَضَى بِمَا تَخْتاره العـــــلامُ

وبَقِيْتَ ما بَقِيَ الزَّمَانُ مُخلَّداً * في حَيْثُ تَقْعُدُ والأَنَامُ قِيَامُ

وَحَبَاكَ رَبُّكَ بِالكَرَامَةِ والرضا * والبرّ ما نَسَخَ الضَّيَاءَ ظلامُ

فلأنتَ حِيْنَ تُعَدُّ عَيْنُ زَمَانِنَا * وبصدق قولي يشْهَدُ الإِسْلامُ

بك يا مُحِبَّ الدِّين طالتْ فَأَعتَلَتْ * شرقاً على الخَطِيَّة الأقلام

أَحْيَيْتَ بِشْراً والجُنَيْدَ وَعَامِراً * زهداً وكُلَّ إِذْ يُعَدُّ إمامُ

وأَقَمْتَ لِلْقُرشــــي فـــــــــي آرائـــــــه * حُجَجاً يُقَصَّرُ دُونَهَا النَّظامُ

لوراءكَ الثَّوْرِيُّ أَعْلَنَ قائلاً * أنْتَ الغَمَامُ وَمَنْ سِوَاكَ جَهَامُ

هذا النص من قصيدة مدح في 22 بيتاً في الشيخ محب الدين الواسطي الذي كان عالماً فقيها بالمذهب الشافعي أصولاً وفروعاً عرف بالورع والزهد والمروءة والتواضع ومعرفة حسنة بالأدب فكتب الشاعر هذه القصيدة بحقه ذاكراً كل صفاته وزهده وتواضعه بحيث جعل الدنيا تسير إليه لا هو يسير إليها لزهده عن ملذاتها فاختصه الله تعالى بالعطاء والكرامة والمنزلة الرفيعة في المجتمع بشهادة المسلمين.

وزاد الشاعر في منزلة ممدوحه (الآخر) بعلمه وتقواه الذي احيا زهد (بشر الحافي، وعامر الشعبي وهؤلاء كلهم من الزهاد الصالحين) ويذكر الشاعر دور الشيخ في الدفاع عن آراء القرشي وهو محمد بن إدريس الشافعي عند المشايخ الآخرين المعروفين بالتزمت في آرائهم الدينية.

وينهي الشاعر أبياته يذكر سفيان الثوري من بني ثور وكان زاهد زمانه بالبصرة أنه لو رأى الشيخ محب الدين لجعله زاهد وعالم زمانه على العلماء والزهاد الموجودين في وقته وإن باقي القصيدة على هذا المنوال من المديح للآخر وهذا دليل على شدة حبه واعتزازه بصداقة هذا العالم الجليل.

ولم يكن الشيخ محب الدين الوحيد الذي تعلق به الشاعر وصحبه بل كان هناك آخرون لهم منزلة رفيعة عند الشاعر ومنهم الصاحب كمال الدين أبا الكرم محمد بن علي من بني قيس بن ثعلبة من سكنة الموصل قال فيه قصيدة لامية من 62 بيتاً قال فيها:

بَنَانُكَ مِنْ مُغْدَوْدِقِ المُزْنِ أَهْطَلُ * وَبَاعُكَ مِنْ رَضْوَى وتَهْلانَ أَطوَلُ

ودَارُكَ دارُ الأَمْن مِنْ كُلِّ حَادِثٍ * ومنزلُكَ المَعْمُورُ لِلْمَجْدِ مَنْزِلُ

إِذَا عُدَّ أَرْبَابُ النَّباهَةِ والعُلا * فَأَنْتَ عَلَى رَغْمِ المُعَادِينَ أَوَّلُ

تَجاوَزْتَ مِقْدَارَ الكَمَالِ فما تَرَى * علاً كاملاً إلَّا وعَلْياكَ أَكْمَلُ

وحُزْتَ خِلالَ الفَضْلِ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ * فَمَا فَاضِلٌ إِلَّا وأنْتَ المَفَضَّلُ

خَلِيْلَليَّ ما كُلُّ الرِّجالِ وَإِنْ عَلَوا * كمال ولا كل الأقاليم مَوْصِلُ

ولا كُلَّ نَبْتٍ تُخْرِجُ الأَرضُ مَأكل * ولا كُلَّ ماءٍ تُبْصِرُ العَيْنُ مَنْهَلُ

وهو الماجد النَّدْبُ الذي لا جَنَابُهُ * بِوَعْرٍ ولا بابُ النَّدى مِنْهُ مُقْفَل

همَامٌ إِذَا اسْتَسْقَيْتَ مُزْنَ بَنَانِهِ * سَقَتْكَ حَياً مِنْ فَيْضِهِ البَحْرُ يَخْجَلُ

جوَادٌ إِذا ما الخُورُ عامَ فِصَالُها * وَلَمْ يَبْقَ في البُزْلِ القناعِسْ مَحْمَلُ

أجاد الشاعر في إظهار مواطن الكرم في الآخر الممدوح وبالغ في ذلك في أن عطايا يده أوسع خيراً من المطر الغزير وداره أمان لكل من لجأ إليه فهو باب المعالي والنباهة والكمال وهو الفاضل المفضل على حد مدح الشاعر له لأنه تجاوز مقدار الكمال والفضيلة وهذا قد يتنافى مع الدين الإسلامي الحنيف فالكمال الله وحده لا شريك له.

وكذلك الحال في الأبيات الأخيرة والتي بموجبها جعل الشاعر ممدوحه هو الأفضل بين قومه فوصفه بصفات الكمال والماجد والهمام والجواد ليجعله متفرداً واحداً لا ثاني له بين الآخرين وبالتالي يثبت فيه أروع صورة من صور الرمز التي كان يتمثلها في ذهنه فالغلو في الأبيات واضح وصولاً إلى حد الشذوذ والمبالغة الفاحشة وهذا ليس غريبا على الشعراء القدماء في إظهار محاسن ممدوحيهم على حساب الآخرين.

وبعد الانتهاء من مديح الآخر علمنا أن صورة الآخر عند ابن المقرب وعند غيره من الشعراء لا تظهر بشكل نمطي واحد بل تبدو بأنماط متعددة لا تحتمل نسقاً محدداً أو ثابتاً بل تلازمه سمة التبدل والتغير وفقاً لطبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية وتحكم علاقة الذات بالآخر علاقة تأثر وتأثير متبادل ويؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به دون أن يتماهي أحدهما على الآخر تماما.

الخاتمة

ابن المقرب من الشعراء الذين نظموا في المديح بشكل واسع وبنسبة كبيرة تعدت نصف قصائده في الديوان قياسا بأعراضه الشعرية الأخرى.

ومن خلال التمعن في قصائد هذا الشاعر الكبير وجدت تعدد المديح عنده الى المديح الديني في الرسول الاعظم وآله والمديح الاجتماعي في الملوك والأمراء والوزراء القضاة والعمل على تعظيمهم وتوحيدهم.

تعدى المديح عند ابن أبي المقرب الى مدح الذات والأهل والقوم والعشيرة فضلا عن الوطن (الإحساء) الذي شغل احساسه وهو في غربته.

لم تخرج قصائد ابن المقرب من موقف التبعية للشعراء الاقدمين وهو لم يعمل على ازاحة الأسس القديمة او مزاحمتها بل كانت قصائده المدحية مثالاً للجمال الكلاسيكي الذي يضع في اعتباره دائما مبدأ التناغم الموسيقي المنتظم والمستوحى من التراث العربي القديم.

امتازت قصائد المدح عند ابي المقرب بالتوحيد بين موضوعات القصيدة الواحدة حيث تقدمتها مقدمة طللية او غزلية أو حكمة اعقبها وصف الرحلة وصولا الى الممدوح وما ينبغي ان يقال له.

مصادر

  1. "علي بن المقرب العيوني.. الشاعر – المؤرخ".
  2. "قصائد ابن المقرب العيوني".
  3. "المدائح النبوية في أدب القرنين السادس والسابع للهجرة".
  4. "قصائد أبو طالب".
  5. "الأغراض الشعرية في العصر العباسي المديح".
  6. "تعود الاسره العباسيه الى قبيلة".
  7. "تاريخ الدولة العيونية في البحرين".
  8. "أبو فراس الحمداني الشاعر الفارس".
  9. "بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ الأرمني النوري الأتابكي".
  10. "الأشرف موسى بن الملك العادل محمد الأيوبي (الملك-)".